بنت بلادها
10-03-2009, 10:13 PM
المقدمة:
تعد دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم أحد أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز في العالم، حيث تبلغ احتياطياتها النفطية القابلة للاستغلال نحو 100 مليار برميل وهو ثالث أكبر احتياطي من النفط في العالم فيما تبلغ احتياطياتها القابلة للاستغلال من الغاز حوالي 6 مليارات متر مكعب مما يضعها في المركز الرابع عالميا في هذا المجال علما بأن أكثر من 90% من هذه الاحتياطيات موجود في أبو ظبي.
وقد لعبت عائدات النفط والغاز منذ بدء إنتاج وتصدير النفط في عام 1962 دورا محوريا في النهضة التنموية الشاملة التي شاهدتها أبو ظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام، فعلى مدة قرابة أربع عقود من الإنتاج سجلت البلاد تطورات هائلة تحولت معها إلى دولة عصرية تحظى باقتصاد مزدهر وبنية أساسية فائقة الحداثة ومن المؤكد إن تواصل صناعة النفط والغاز والاضطلاع بدور حيوي في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة لعقود عديدة مقبلة مع تمتع البلاد باحتياطيات نفطية ضخمة تكفي لمواصلة الإنتاج بالمعدلات الحالية لمدة تزيد على 100 عام.
لكن الأمور لم تكن بمثل هذه الصورة الوردية دوما ففي الأيام الأولى لإنتاج النفط وخلال الفترة الزمنية الطويلة التي استغرقتها عمليات المسح والاستكشاف التي سبقت بدء إنتاج النفط، كانت الظروف المعيشية قاسية لكل من شعب الإمارات والعالمين في الشركات النفطية الذين جابوا الصحارى والمناطق البحرية بحثا عن النفط.
الاقتصاد الإماراتي تطور بشكل سريع من اقتصاد شاب إلى اقتصاد بدأت تظهر فيه مؤشرات النضوج بسبب استمرار ارتفاع الإيجارات السكنية ورفع أسعار الوقود وتوقعات بارتفاع نسبة التضخم في الإمارات إلى أكثر من 6% بنهاية العام.
(1)
الموضوع:
كان اقتصاد المنطقة في ذلك الوقت يعتمد على الزراعة في الواحات مثل ( واحة العين )
وفي بعض مناطق الإمارات الشمالية، إلى جانب صيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ، وهما حرفتان امتهنهما سكان جنوب الخليج على مدى السبعة ألاف سنة الماضية تقريبا. وكان معظم السكان من البدو الرحل الذين يتنقلون من مكان إلى أخر بحثا عن الماء والمرعى لمواشيهم، ولم تشهد المنطقة سوى النزر اليسير من ثمار التطور والتقدم الذي كانت تشهده أنحاء متفرقة من العالم. وحتى فترة قريبة، ظل جزء كبير من الأرضي الداخلية من الإمارات مجهولا بالكامل بالنسبة للأجانب. فعلى سبيل المثال، كان أول رحالة أوروبي يصل إلى واحة ليوا، التي تقع على الحافة الشمالية للربع الخلي ، جنوب إمارة أبو ظبي، هو المكتشف البريطاني السير(( ويلفريد ثيسيجر))، خلال رحلاته الاستكشافية في الصحراء، في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية مباشرة. أما البلدات الساحلية والجزر مثل (جزيرة دلما) ، فقد كانت أوفر حظا في التواصل والاتصال مع العالم الخارجي بحكم نشاطها في تجارة اللؤلؤ. إذ كانت توجد جاليات صغيرة من التجار الهنود في بلدات ساحلية عدة وكان المعتمد السياسي البريطاني يقيم في الشارقة، وكان المسؤولين البريطانيون والسفن الحربية البريطانية إضافة إلى السفن التجارية المتجهة إلى الهند يقومون بزيارات إلى المنطقة من حين إلى أخر.
ورغم ذلك، عانت البلدات الساحلية من ركود اقتصادي خلال الثلاثينات فإلى جانب التأثير السلبي للكساد الذي اجتاح الاقتصاد العالمي آنذاك على صادرات اللؤلؤ المحلي، كانت تجارة اللؤلؤ الطبيعي تعاني أصلا من أضرار بالغة كنتيجة مباشرة لنجاح اليابانيين قبل بضع سنوات من ذلك في استزراع اللؤلؤ الإبحار كل عام بحثا عن اللؤلؤ الطبيعي، إلا أن عائد الغواصين الشحيح أصلا اخذ في الانحسار وبدا واضحا آنذاك ، إن هذه المهنة العريقة بدأت تحتضر بصمت ماضية نحو نهايتها المحتومة.
وهنا أدرك حكام الإمارات أن اهتمام الشركات الأجنبية بالتنقيب عن النفط يحمل بصيصا من الأمل لمستقبل أفضل خاصة أنهم كانوا مطلعين جميعا على الاكتشافات التي حدثت في أقصى شمال منطقة الخليج وتأثيرها الايجابي على الاقتصاديات المحلية للدول المعنية وفي ظل هذه المعطيات . وعلى الرغم من قلق الناس بشأن الانعكاسات السلبية التي قد تخلفها صناعة النفط على أسلوب الحياة التقليدي ، استقبلت المدن الساحلية أول فرق للمسح والتنقيب وصلت إليها بالترحاب وان كانت هذه الفرق قد لقيت استقبالا مشوبا بالشكوك في المناطق الداخلية.
(2)
وفي إمارة أبو ظبي ابدي حاكمها الشيخ شخبوط ، اهتماما ملحوظا بعمل فريق المسح ، وكان يأمل بصفة خاصة، إن تؤدي أبحاث الفريق الجيولوجي إلى اكتشاف مصادر جديدة للمياه العذبة في المناطق الصحراوية ، إلى جانب زياراته إلى موقع عمل الفريق في جبل حفيت ، كلف الشيخ شخبوط شقيقه الأصغر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بمرافقة أعضاء الفريق ي بعض رحلاتهم للاستفادة من معرفته الوثيقة بأساليب الحياة في الصحراء وسكانها من البدو فعلى الرغم من إن الشيخ زايد كان في البداية العشرينات من عمره آنذاك ، إلا انه قد أظهر بالفعل قدرات متميزة أكسبته احتراما واسع النطاق.
وكان من ضمن المهام التي نفذها الشيخ زايد في هذا المجال، قيامه في شتاء عام 1936-1937 بمرافقة خبيرين جيولوجيين تابعين للشركة ومترجم و16 من البدو، في رحلة إلى غرب وجنوب غرب أبو ظبي (( هيرد- بيي 1982)) وقد هيأت أمثال تلك الرحلات للشيخ زايد أول احتكاك له من صناعة النفط . إذ تمكن سموه من خلال تلك الرحلات والمحادثات التي كان يجريها مع ممثلي الشركة، إن ينمي للمرة الأولى رؤيته للمكاسب التي يمكن إن يجلبها اكتشاف النفط إلى أبو ظبي وشعبها.
وقد أثمر المسح الجيولوجي الأول عن نتائج كافية لتشجيع(( شركة نفط العراق)) للسعي إلى الحصول على امتياز كامل للتنقيب عن النفط في الإمارات. ولهذا فقد سعت الشركة إلى الحصول لدعم المعتمد السياسي البريطاني في الخليج لجهودها. وحظيت بهذا الدعم بالفعل، حيث قام المعتمد السياسي في عام 1937 بإبلاغ كافة الشيوخ رسميا بأنه، وبموجب شروط اتفاقيتهم مع بريطانيا في عام 1922. سوف يفوضهم بالتعامل فقط مع (( شركة نفط العراق)) وتم توقيع أول اتفاقية امتياز رسمية في شهر مايو ( أيار) من عام 1937 بين الشيخ سع يد بن مكتوم حاكم إمارة دبي آنذاك ، وشركة تطوير النفط (( الإمارات المتصالحة)) التي تأسست في البحرين كشركة تمتلكها بالكامل شركة ( بي.سي.إل) وتبعتها اتفاقيات أخرى في رأس الخيمة وكلباء . التي كانت وقت ئذ إمارة منفصلة، في شهر ديسمبر) كانون الأول) من عام 1938 وفي 11 يناير (كانون الثاني) 1939، وفي أعقاب مفاوضات مطولة وقع الشيخ شخبوط اتفاقية امتياز لمدة 75 عاما مع ستيفن لونجريج مدير عام شركة تطوير النفط ( الإمارات) المتصالحة.
وشهد توقيع الاتفاقية بالنيابة عن أبو ظبي عم الحاكم ، الشيخ خليفة بن زايد أل نهيان، (جد الشيوخ مبارك بن محمد ، طحنون بن محمد ، سيف بن محمد وسرور بن محمد ،
(3)
وهو أيضا الابن الوحيد الباقي على قيد الحياة للشيخ زايد بن خليفة الذي حكم إمارة ابوظبي من الفترة ما بين عام 1855 إلى عام 1909) كما شهد توقيع الاتفاقية التاجر المعروف أحمد بن خلف العتيبة ، الذي أصبح حفيده، مانع سعيد العتيبه فيما بعد ، أول وزير للبترول في إمارة ابوظبي من
تعد دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم أحد أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز في العالم، حيث تبلغ احتياطياتها النفطية القابلة للاستغلال نحو 100 مليار برميل وهو ثالث أكبر احتياطي من النفط في العالم فيما تبلغ احتياطياتها القابلة للاستغلال من الغاز حوالي 6 مليارات متر مكعب مما يضعها في المركز الرابع عالميا في هذا المجال علما بأن أكثر من 90% من هذه الاحتياطيات موجود في أبو ظبي.
وقد لعبت عائدات النفط والغاز منذ بدء إنتاج وتصدير النفط في عام 1962 دورا محوريا في النهضة التنموية الشاملة التي شاهدتها أبو ظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام، فعلى مدة قرابة أربع عقود من الإنتاج سجلت البلاد تطورات هائلة تحولت معها إلى دولة عصرية تحظى باقتصاد مزدهر وبنية أساسية فائقة الحداثة ومن المؤكد إن تواصل صناعة النفط والغاز والاضطلاع بدور حيوي في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة لعقود عديدة مقبلة مع تمتع البلاد باحتياطيات نفطية ضخمة تكفي لمواصلة الإنتاج بالمعدلات الحالية لمدة تزيد على 100 عام.
لكن الأمور لم تكن بمثل هذه الصورة الوردية دوما ففي الأيام الأولى لإنتاج النفط وخلال الفترة الزمنية الطويلة التي استغرقتها عمليات المسح والاستكشاف التي سبقت بدء إنتاج النفط، كانت الظروف المعيشية قاسية لكل من شعب الإمارات والعالمين في الشركات النفطية الذين جابوا الصحارى والمناطق البحرية بحثا عن النفط.
الاقتصاد الإماراتي تطور بشكل سريع من اقتصاد شاب إلى اقتصاد بدأت تظهر فيه مؤشرات النضوج بسبب استمرار ارتفاع الإيجارات السكنية ورفع أسعار الوقود وتوقعات بارتفاع نسبة التضخم في الإمارات إلى أكثر من 6% بنهاية العام.
(1)
الموضوع:
كان اقتصاد المنطقة في ذلك الوقت يعتمد على الزراعة في الواحات مثل ( واحة العين )
وفي بعض مناطق الإمارات الشمالية، إلى جانب صيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ، وهما حرفتان امتهنهما سكان جنوب الخليج على مدى السبعة ألاف سنة الماضية تقريبا. وكان معظم السكان من البدو الرحل الذين يتنقلون من مكان إلى أخر بحثا عن الماء والمرعى لمواشيهم، ولم تشهد المنطقة سوى النزر اليسير من ثمار التطور والتقدم الذي كانت تشهده أنحاء متفرقة من العالم. وحتى فترة قريبة، ظل جزء كبير من الأرضي الداخلية من الإمارات مجهولا بالكامل بالنسبة للأجانب. فعلى سبيل المثال، كان أول رحالة أوروبي يصل إلى واحة ليوا، التي تقع على الحافة الشمالية للربع الخلي ، جنوب إمارة أبو ظبي، هو المكتشف البريطاني السير(( ويلفريد ثيسيجر))، خلال رحلاته الاستكشافية في الصحراء، في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية مباشرة. أما البلدات الساحلية والجزر مثل (جزيرة دلما) ، فقد كانت أوفر حظا في التواصل والاتصال مع العالم الخارجي بحكم نشاطها في تجارة اللؤلؤ. إذ كانت توجد جاليات صغيرة من التجار الهنود في بلدات ساحلية عدة وكان المعتمد السياسي البريطاني يقيم في الشارقة، وكان المسؤولين البريطانيون والسفن الحربية البريطانية إضافة إلى السفن التجارية المتجهة إلى الهند يقومون بزيارات إلى المنطقة من حين إلى أخر.
ورغم ذلك، عانت البلدات الساحلية من ركود اقتصادي خلال الثلاثينات فإلى جانب التأثير السلبي للكساد الذي اجتاح الاقتصاد العالمي آنذاك على صادرات اللؤلؤ المحلي، كانت تجارة اللؤلؤ الطبيعي تعاني أصلا من أضرار بالغة كنتيجة مباشرة لنجاح اليابانيين قبل بضع سنوات من ذلك في استزراع اللؤلؤ الإبحار كل عام بحثا عن اللؤلؤ الطبيعي، إلا أن عائد الغواصين الشحيح أصلا اخذ في الانحسار وبدا واضحا آنذاك ، إن هذه المهنة العريقة بدأت تحتضر بصمت ماضية نحو نهايتها المحتومة.
وهنا أدرك حكام الإمارات أن اهتمام الشركات الأجنبية بالتنقيب عن النفط يحمل بصيصا من الأمل لمستقبل أفضل خاصة أنهم كانوا مطلعين جميعا على الاكتشافات التي حدثت في أقصى شمال منطقة الخليج وتأثيرها الايجابي على الاقتصاديات المحلية للدول المعنية وفي ظل هذه المعطيات . وعلى الرغم من قلق الناس بشأن الانعكاسات السلبية التي قد تخلفها صناعة النفط على أسلوب الحياة التقليدي ، استقبلت المدن الساحلية أول فرق للمسح والتنقيب وصلت إليها بالترحاب وان كانت هذه الفرق قد لقيت استقبالا مشوبا بالشكوك في المناطق الداخلية.
(2)
وفي إمارة أبو ظبي ابدي حاكمها الشيخ شخبوط ، اهتماما ملحوظا بعمل فريق المسح ، وكان يأمل بصفة خاصة، إن تؤدي أبحاث الفريق الجيولوجي إلى اكتشاف مصادر جديدة للمياه العذبة في المناطق الصحراوية ، إلى جانب زياراته إلى موقع عمل الفريق في جبل حفيت ، كلف الشيخ شخبوط شقيقه الأصغر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بمرافقة أعضاء الفريق ي بعض رحلاتهم للاستفادة من معرفته الوثيقة بأساليب الحياة في الصحراء وسكانها من البدو فعلى الرغم من إن الشيخ زايد كان في البداية العشرينات من عمره آنذاك ، إلا انه قد أظهر بالفعل قدرات متميزة أكسبته احتراما واسع النطاق.
وكان من ضمن المهام التي نفذها الشيخ زايد في هذا المجال، قيامه في شتاء عام 1936-1937 بمرافقة خبيرين جيولوجيين تابعين للشركة ومترجم و16 من البدو، في رحلة إلى غرب وجنوب غرب أبو ظبي (( هيرد- بيي 1982)) وقد هيأت أمثال تلك الرحلات للشيخ زايد أول احتكاك له من صناعة النفط . إذ تمكن سموه من خلال تلك الرحلات والمحادثات التي كان يجريها مع ممثلي الشركة، إن ينمي للمرة الأولى رؤيته للمكاسب التي يمكن إن يجلبها اكتشاف النفط إلى أبو ظبي وشعبها.
وقد أثمر المسح الجيولوجي الأول عن نتائج كافية لتشجيع(( شركة نفط العراق)) للسعي إلى الحصول على امتياز كامل للتنقيب عن النفط في الإمارات. ولهذا فقد سعت الشركة إلى الحصول لدعم المعتمد السياسي البريطاني في الخليج لجهودها. وحظيت بهذا الدعم بالفعل، حيث قام المعتمد السياسي في عام 1937 بإبلاغ كافة الشيوخ رسميا بأنه، وبموجب شروط اتفاقيتهم مع بريطانيا في عام 1922. سوف يفوضهم بالتعامل فقط مع (( شركة نفط العراق)) وتم توقيع أول اتفاقية امتياز رسمية في شهر مايو ( أيار) من عام 1937 بين الشيخ سع يد بن مكتوم حاكم إمارة دبي آنذاك ، وشركة تطوير النفط (( الإمارات المتصالحة)) التي تأسست في البحرين كشركة تمتلكها بالكامل شركة ( بي.سي.إل) وتبعتها اتفاقيات أخرى في رأس الخيمة وكلباء . التي كانت وقت ئذ إمارة منفصلة، في شهر ديسمبر) كانون الأول) من عام 1938 وفي 11 يناير (كانون الثاني) 1939، وفي أعقاب مفاوضات مطولة وقع الشيخ شخبوط اتفاقية امتياز لمدة 75 عاما مع ستيفن لونجريج مدير عام شركة تطوير النفط ( الإمارات) المتصالحة.
وشهد توقيع الاتفاقية بالنيابة عن أبو ظبي عم الحاكم ، الشيخ خليفة بن زايد أل نهيان، (جد الشيوخ مبارك بن محمد ، طحنون بن محمد ، سيف بن محمد وسرور بن محمد ،
(3)
وهو أيضا الابن الوحيد الباقي على قيد الحياة للشيخ زايد بن خليفة الذي حكم إمارة ابوظبي من الفترة ما بين عام 1855 إلى عام 1909) كما شهد توقيع الاتفاقية التاجر المعروف أحمد بن خلف العتيبة ، الذي أصبح حفيده، مانع سعيد العتيبه فيما بعد ، أول وزير للبترول في إمارة ابوظبي من